دير المخلص في جون

النشرة -

يجمع لبنان على امتداد مساحاته بين حضارات متعددة، لا سيما المسيحية والإسلامية، وهذا الأمر يظهر بشكل جلي من خلال المعالم الدينية القديمة التي لا تزال قائمة حتى يومنا هذا، والتي تدل على مدى قدسية الاراضي في لبنان.
فالكتاب المقدس، ولا سيما العهد القديم منه، يذكر اسم لبنان أكثر من 70 مرة، والمسيح بذاته سار على أرضنا، متنقلاً بين صيدا وصور... فلبنان هو أيضاً أرض مقدّسة يجب الحفاظ عليها.
وليس بعيداً جداً عن صيدا، هذه الأرض التي اجتمع فيها الرسولان بطرس وبولس لآخر مرة قبل أن ينطلقا في مهمتهما التبشيرية كلّ في طريقه، تصل إلى بلدة جون. وعند وصولك إلى هذه البلدة، لا يمكنك إلا وأن تسبح الخالق على روعة وجمال هذه المنطقة العابقة برائحة الزهر الربيعي، والمفاخرة بأشجار زيتونها. فجون الزاخرة بعبق الماضي تخفي في أحد زواياها ديرا أراده مؤسسه "مكان عبادة ومحجة صلاة ومنارة علم وفضيلة"، هو دير المخلص، الذي يقوم على رابية تحيط بها غابات الصنوبر وكروم العنب والزيتون.
تاريخ بناء الدير وهندسيته
اختيار أرض جون لبناء الدير لم يأت عشوائيا، ففي سنة 1685 كان المطران ميخائيل الصيفي وهو مؤسس دير المخلص، يتفقد أبرشيته الصيداوية ولما وصل إلى قرية جون توافد أهل القرى للسلام عليه يحملون بنادقهم تحسبا للعصابات التي كانت منتشرة بكثرة في تلك الايام، وكان مع أحدهم بندقية أخذها الشماس أثناسيوس نصر المرافق للمطران وراح يتفحصها فلمست إصبعه "الديك" عرضا، فانطلق الرصاص واستقر في صدر الكاهن ابراهيم الطوطون، وحالما سمع المطران صوت البندقية ردد بإيمان: "يا مخلص العالم" وركض نحو الكاهن المصاب ليسأله عن حاله فقال له: " لاتخف يا معلمي أنا طيّب"، ووجدوا الخردق متجمعا فوق صدره دون أن يؤذيه، وقد رأى المطران في هذه الاعجوبة إشارة من السماء ليبني في تلك المنطقة ديرا لرهبانه على اسم المخلص.
ومن أول طريق البلدة حتى الوصول إلى الدير لا يمكن لك أن تتجاهل تنوعها المذهبي، فهنا كنيسة وهناك جامع. ومع روعة العيش المشترك، ما أروع أن تصل إلى دير المخلص وتجد على مدخله زائرة محجبة، هذا الامر الذي يؤكد ان هذا الدير هو نقطة تلاق وحوار بين مختلف الأديان.
أول ما يلفت النظر في الدير هو جناح الممشى التأسيسي الذي بناه المؤسس وتلاميذه سنة 1711. وفي هذا الإطار، أشار وكيل الدير الاب سالم فرح، في حديث لـ"النشرة" خلال جولتنا في الدير، إلى ان "هذا الجناح استعمل مقرا لسكن الرهبان، وفي أواخر الستينات، وتحت اشراف مديرية الأثار تم "قلش" جدرانه وفتحت واجهات غرفه وتحولت إلى متحف أثري"، لافتا إلى ان "الممشى التأسيسي يروي للزائر الخطوات الكبرى لتأسيس الدير".
أما كنيسة الدير فبنيت عام 1721 وهي "تضاهي كبريات كنائس الشرق ضخامة وجمالا"، وأوضح الأب فرح أن "هيكل الكنيسة الكبير كرّس على اسم التجلي الذي يحتفل به في 6 آب"، لافتا إلى ان "الكنيسة تنتمي إلى الفن البيزنطي والقناطر التي نراها في الكنسية بنيت سنة 1737 كدعائم للكنيسة بعد تعرضها لزلزال"، وأشار إلى أن "غالبية الأيقونات التي تزين الايقونستاس تعود إلى الفن الانطاكي الأورشليمي البيزنطي".
كما نرى داخل الكنيسة الإيقونوستاز في زخرفات عربية، ويعلوه "منجور" من خشب الجوز المطعّم بنواة خشب الليمون".
ويضم الدير أيضا مكتبة مخلصية تأسست أواخر القرن السابع عشر، وأدت دورا هاما في نشر العلم والثقافة وذلك لغناها بالمخطوطات القديمة، حسب الاب فرح، الذي أكد أن "المخطوطات سرقت أكثر من مرة وتمت مصادرتها خلال التهجير لكنها أعيدت إلى الدير مع عودة الرهبان إليه".
ولا يمكن مغادرة الدير دون زيارة مدرسة دير المخلص الاكليريكية، وهي  مدرسة ثانوية مختلطة وتضم أكبر مغارة لأبرز مراحل حياة السيد المسيح

قديس جديد من لبنان... الأب بشارة أبو مراد المخلصي.
ويبدو أن هذا الدير ليس فقط مبيناً على أرض مقدّسة، بل هو أيضاً مخرّجاً لقديسين، أحدهم من المتوقع أن يُرفع في الكنيسة كطوباوي قريباً، وهو الأب المكرم بشارة أبو مراد.
والاب أبو مراد وهو من مدينة زحلة، امتاز بالتقوى والتقشف والمحبة الشديدة لله وللناس لا سيما للفقراء والمساكين حتى لقّب بـ"الكاهن القديس". رفعت دعوى تطويبه إلى مجمع دعاوى القديسين في روما سنة 1993، بانتظار أن يتم تطويبه قريبا، حسب ما أكد لنا الأب فرح.
وروت لنا إحدى زائرات الدير أن "المنطقة عانت من مجاعة خطيرة قديما، وكان الاب أبو مراد يخفي الخبز يوميا داخل ثيابه ويخرج ليعطيها للفقراء، فاشتكى عليه الرهبان إلى رئيس الدير، وفي أحد الايام عندما كان الاب أبو مراد يتجه لاعطاء الفقراء خبزا استوقفه وسأله عما يحمل داخل ثيابه، عندها تحول الخبز إلى وردة".
أما ندى حجار، فروت بدورها لنا، وهي جالسة على درج الدير، أن "الاب أبو مراد كان يمشي في الهواء متنقلا من مبنى إلى آخر دون أن ينتبه لنفسه من شدّة اتحاده بالله في صلاته"، لافتة إلى أنه "شفيع المرأة العاقر".
 
أيقونات تدهش النظر والعقول
ولم يعطِ هذا الدير لبنان فقط كل ما أعطاه من غنى هندسي وغنى في الحياة الروحية والقداسة، إنما أعطاه أيضاً فنانين يكتبون الأيقونات، لا سيما الأب نداء ابراهيم المخلصي نائب الرئيس العام للرهبانية المخلصيّة وهو أحد رهبان الدير
وقد كتب الاب نداء أيقونات عدّة، نذكر منها أيقونة الأرحب من السماوات، او كما تسمى باليونانية "البلاتيتير".
وفي إطار شرحه لهذه الأيقونة، أشار إلى أنّ "المثال الأول لهذه الايقونة نجده في دياميس روما حيث كان المسيحيون في القرون الاولى للكنيسة، يجتمعون للصلاة وكسر الخبز"، لافتا في حديث لـ"النشرة" إلى أنه "على جدران هذه الدياميس نجد أكثر من رسم يمثل إمرأة واقفة تصلي، ويداها مفتوحتان الى العلاء للتضرع"، ومشددا على أنها "تمثّل النفس التى تتوق الى السماء".
ولفت الأب ابراهيم إلى أن "الفنانين أخذوا عن هذه الرسوم هذا النموذج وقد أضافوا عليه يسوع المسيح الظاهر في وسط العذراء يبارك الكون، وكأنه جالس على عرش".
وأفاد الاب ابراهيم "النشرة" أنه "كتب هذه الايقونة في ايلول من عام 2006، وهي موجودة في كنيسة دير السيدة التابع للرهبانية المخلصية، قرب دير المخلص وهو دير قديم يعود بناؤه لعام 1733، ويضم حاليا الرهبان الراغبين في الانضمام للرهبانية المخلصية، أو ما يعرف بالمبتدئين".
ومما كتبه الأب ابراهيم أيضا، أيقونة "الشفاعة" وهذه الايقونة، وفق ما شرح لنا، تمثّل "السيد المسيح، حاملاً في يده اليسرى الكرة التي تمثّل الكون، فهو السيّد الضابط الكل، وفي يده اليمنى يبارك المؤمنين، عن يمين المسيح، نرى مريم العذراء والدة الإله، تتوسل مع يوحنا المعمدان الظاهر عند يسار السيد المسيح، يتوسلان ويتضرعان اليه من أجل خلاص النفوس"، لافتا إلى ان " كتب الايقونة عام 2005 وهي موجودة ايضا في كنيسة دير السيدة للإبتداء".
أما أيقونة "بشارة الملاك جبرائيل لمريم"، فقد كتبها "حسب النمط البيزنطي اليوناني، عام 2006 وهي موجودة في كنيسة سيدة الانتقال – ابلح في البقاع".
وفي تفسيره لهذه الأيقونة، قال: "تجلس مريم بخشوع على عرش يشبه عرش ملكات القسطنطينية، تغطيه وسائد موشاة بالذهب، لقد أضحت عرشا ملكيا يتأمل الملائكة عليه سيدهم وخالقهم، قدماها لا تلمسان الارض، بل على مرقاة مذّهبة دلالة على سمو مقامها".

لا بدّ إذاً للمتوجه جنوباً من رؤية هذا الدير لما فيه وفي الطبيعة التي تحيط به، من جمال وفنّ وتقوى وخشوع... والجنوب ليس فقط أرضاً مقدسة، بل هي أيضاً أرض التعايش والتآخي، وهذا ما يؤكده كل يوم زوّار هذا الدير الكبير... دير المخلص-جون".

November 2017
Sun Mon Tue Wed Thu Fri Sat
     1234
567891011
12131415161718
19202122232425
2627282930