المطران حداد: للتمسك بالارض

النهار – هالة حمصي

هي الارض فقط التي تدفع مطران صيدا ودير القمر للروم الكاثوليك ايلي بشارة حداد الى الاصرار على دعوته ابناء ابرشيته، والمسيحيين عموماً، الى التمسك بها. "فلسفة الارض فلسفة وجودية"، يقول لـ"النهار". الخطر يرصده، يترقب شره. "اذا كان المسيحيون لم يرحلوا من لبنان "ع الحامي" تحت ضغط السلاح، فسيرحلون "ع البارد"، لأنه لن تعود لهم في المستقبل ارض لتطأها اقدامهم. الباخرة تدخل الشاطئ اللبناني، وتقترب بفضل سياسات انتخابية انانية.
منذ تسلّم حداد ابرشية صيدا ودير القمر، شكّلت الارض هاجساً كبيراً عبّر عنه علناً وسراً في خطبه ولقاءاته. "يجب العودة الى الارض الى تعاونياتنا الزراعية"، يقول. واذا كانت الارض "حقاً للمسيحي، كما هي للمسلم"، وفقاً لما يشدد عليه، فإنها ايضاً تحدد الرسالة. "لبنان الرسالة هو لبنان رسالة الارض". صحيح ان بيع اراض في مناطق مسيحية "هدفه تجاري" احياناً، غير ان اكثر ما يخشاه حداد هو ذلك الهدف الآخر، ما يسميه "مشروع الفرز السكاني الديموغرافي في اتجاه تحقيق الفيديرالية"، وقد لاحظه على مرّ الايام. "المسيحي معرّض اليوم، كالمسلم، للفرز في منطقة معينة. هناك بيع لاراض بهدف تجاري. وهناك ايضاً فرز ديموغرافي في اتجاه الفيديرالية"، يقول.
والمؤشر الذي يقلقه هو حجم الارض المباعة. "اذا كانت المساحات المباعة شاسعة، فالامر يتخطى في هذه الحال المسألة التجارية والاسكانية. كلما كبرت المساحة، تخوفنا اكثر من ديموغرافية الارض، من فيديراليتها. وفي هذه الحال، الامر ليس بريئاً، وبالتالي قد يكون سياسياً".
في ملامح شاري تلك المساحات الكبيرة، يجد حداد "شخصاً يرغب في فيديرالية لبنان، في توزيع ديموغرافي جديد فيه. حتى اشد المعادين لاميركا يغرقون في هذه السياسة الاميركية التي هي سياسة تقسيمية". والمعادلة التي ينادي بها هي ان "لبنان قوي اذا بقي على ما هو عليه، والا سيُفقد. فإما يكون لبنان الكبير، واما لا يكون".
واذا كان يعارض بشدة الفيديرالية، فلأنها "من أسوأ الانواع، وهي مبنية على الطائفية، وتجعل التواصل بين اللبنانيين على أساس طائفي فقط، علماً ان ما يجمعهم اكثر من الطائفة، اغنى منها". ويتدارك: "الفيديرالية الطائفية قنبلة موقوتة، وليس معروفاً متى تنفجر من الداخل... كأن من يصطنعها في لبنان يقول لكل فئة من اللبنانيين انه من الاضمن لها ان تعيش في منطقتها. وهكذا يكون سلعة في يد منظم الشرق الأوسط الجديد الذي سيُقسّم على أساس طائفي".
ليس وهماً مشروع الفيديرالية. فحداد يشعر به، ولا يروقه رؤية "الكنيسة تغرق فيه من خلال خطابات بعض رجالها، وحتى ايضاً بكركي". "التقوقع" ومشروع "اللقاء الارثوذكسي" الانتخابي لا يوافق عليهما، قائلاً: "يجب ان يتنبه خطاب بكركي الى انه بقدر ما يبقى المسيحيون في مواقعهم في الانتشار الداخلي، تبقى المسيحية في لبنان".
في أبرشيته، لاقت دعوته الى التمسك بالارض آذاناً، "تراجع البيع، وصار هناك وعي أكبر"، يلاحظ. خلال الاعوام الماضية، نفّذ "حملة توعية مهمة في منطقة الجنوب. البيع لم ينقطع كلياً. و"الدهنة" الاساسية كانت بيعت، ولم يعد هناك سوى اراض صغيرة". وهذه "الدهنة" الكبيرة كانت من نصيب المسلمين. وسبب ذلك "ان المغريات او الامكانات الاسلامية كانت اكبر بكثير من المغريات المسيحية. يُدفع ثمن الارض 3 او 4 مرات اكثر من السعر الذي خمّنه الخبير".
وتجسيداً لخطابه الداعي الى "تشبث المسيحي بأرضه"، وضع حداد ايضاً استراتيجية اسكانية وزراعية وصناعية. المشاريع الاسكانية المنفّذة "تشمل بناء نحو 400 وحدة سكنية. كذلك تم تنفيذ مشاريع زراعية بنجاح. وسنبدأ تنفيذ مشاريع صناعية – زراعية"، يقول. وفقاً لاحصائية اجراها في ابرشيته، 3 آلاف من ابناء المنطقة المسيحيين يطلبون وظيفة. "وقد نجحت حتى اليوم في تأمين 300 وظيفة. وانا متأكد من انه اذا تعاونت معنا الدولة والكنيسة المارونية، وتحديداً بكركي، في تنفيذ مشاريع زراعية وصناعية انتاجية، فمن الممكن تأمين وظائف للـ 3 آلاف".
غير ان حداد لا يعرف "بماذا تتلهى بكركي" اليوم. العام الماضي، عرض استراتيجيته امام مجلس البطاركة والاساقفة الكاثوليك. واليوم، يأسف "لعدم وجود متابعة لهذا الموضوع"، وما يقلقه هو عدم رؤية الكنيسة "في موقع معالجة الاسباب". ورغم ذلك، يتابع عمله، "ولديّ مشاريع أنفذها". في خطته، حدد 20 سبباً لبيع المسيحي ارضه، و"عالجنا 15 منها، لكن المعالجة بقيت جزئية"، آملاً في "ان تكون المعالجة شاملة، ووفقاً لامكانات الكنيسة". وهذه الامكانات لا بد من ان تكون "هائلة"، على قوله، "خصوصاً اذا شبكنا ايدينا بعضها ببعض".
مطمئن حداد الى الوجود المسيحي في صيدا والجوار. تحت رعايته، تنضوي 60 رعية تضم 40 ألفاً (من 80 ألفاً). "لست قلقاً اطلاقاً على هذا الوجود، لان ما عشناه في الحرب هو دمار شامل، ديموغرافية صفر. واليوم عاد المسيحيون الى المنطقة بنسبة 30 – 40%. واي مشكلة قد ترجعنا قليلاً الى الوراء، لكنها لن تردنا الى الصفر".
وما يطلبه من القيادة المسيحية، خصوصاً الموارنة، كنيسة وزعماء، "التنبه الى معالجة اسباب بيع الاراضي، والا ستكون المستفيدة زعامة بعضهم انتخابية". وتبقى دعوة ملحة الى اللبنانيين "للانفتاح بعضنا على البعض لانشاء تعاونيات. فلا شيء ينقذ البلد سوى التجمع بعضنا على البعض والعمل المشترك". ويتدارك: "اذا لم يتعاون المسيحيون خصوصاً، كنيسة وعلمانيين وسياسيين، فإن الباخرة ستكون في انتظارهم".

November 2017
Sun Mon Tue Wed Thu Fri Sat
     1234
567891011
12131415161718
19202122232425
2627282930