الهدايا الجزينية

فيفيان حداد - الشرق الاوسط


إذا مررت ببلدة جزين الملقبة بـ«عروس الجنوب» لا بد أن تستوقفك واجهات المحلات التجارية المختصة في بيع الهدايا الجزينية المؤلفة من ملاعق وسكاكين وشوك فضية ذات المقبض العاجي والمرصع بالذهب الخالص أحيانا والتي ترافق الموائد الفاخرة.


فهذه الصناعة التي تعود إلى القرن الـ17 استقدمها أهالي جزين عام 1770 من بلدة الباروك الشوفية فأجادوا صنعها واشتهروا بها وأصبحوا من كبار صناعها.


واعتبرت هذه الصناعة مورد رزق لنصف أهالي البلدة الذين لا يزيد عددهم على 40 ألف شخص موزعين على مساحة لا تتجاوز 2120 هكتارا. ويتنافس محترفو هذه الحرفة اليومية في ابتكار الأشكال والرسوم والزخرفة التي تزين القبضات المصنوعة بعض الأحيان من قرون الحيوانات أو عظامها وتأخذ شكل طاووس أو عصفور أو سمكة أو إوزة، وغيرها وتصبغ بألوان مختلفة كالأزرق أو النبيذي أو الذهبي وغيرها لتتلاءم مع مختلف الأطباق المقدمة على الموائد. ويؤكد سهيل حداد، أحد رواد هذه الصناعة، أن الهدايا الجزينية ما زالت تعتبر في مقدمة الأواني أو الهدايا الفاخرة التي تقدم للشخصيات المعروفة. ويختلف زبائن هذه الهدايا تبعا لسعرها وقيمتها فعادة ما يختار الأثرياء والطبقة الراقية المجموعة المؤلفة من أكثر من 100 قطعة مصنوعة من العاج الخالص أو المطعمة بالذهب. وتفوق تكلفتها 10 آلاف دولار، بينما أصحاب الدخل المتوسط أو المحدود يختارون بعض القطع أو طاقما صغيرا للسلطة أو «الجاتوه» وما شابه تتراوح تكلفتها بين 200 و1500 دولار. واضطر أصحاب هذه الحرفة مؤخرا إلى اللجوء إلى مواد صناعية أخرى مشابهة مستوردة من ألمانيا أقل تكلفة من المواد المستعملة عادة في صناعتها، وذلك بسبب ندرة وجود المواد الأولية المستعملة في هذه الحرفة، خصوصا أن قرون الماشية هي في حالة اندثار وتتطلب وقتا أكثر لتقويمها. لتلبية رغبات الأشخاص الذين لا تسمح لهم ميزانيتهم المادية بشراء الفاخر منها فيهبط سعرها إلى النصف وأحيانا أقل، ولكنها تكون أقل جودة وقيمة من تلك الأصلية ويمكن صناعتها في وقت أقل أيضا.


أما طريقة صنع القطعة التي تدخل في خانة «القردحة» فتمر بمراحل عدة تبدأ بقص القرن وتقويمه على النار ثم إعطائه الشكل المطلوب ومن ثم يتم حفره أو نقشه حسب الرغبة وبعد أن يضرب بالشاكوش يبرد بورق الزجاج ليصبح ناعم الملمس. وتتنوع هذه الصناعة ما بين أدوات المائدة والزينة وأدوات الماكياج النسائية لتشمل أيضا أدوات المكاتب من قطاعة ورق وعلاقة مفاتيح وحاملة سيجارة وغيرها. أما أحدث أنواع السيوف وأجملها فقد تمت صناعتها تحت اسم «ذو الفقار» وقد أهديت إلى الرئيس الشهيد رفيق الحريري فأضافها إلى مجموعة الهدايا الفاخرة التي يملكها.


واعتاد رؤساء الجمهورية اللبنانية تقديم هذه الهدايا في المناسبات الرسمية وعندما سأل الرئيس اللبناني الراحل فؤاد شهاب نظيره الرئيس الفرنسي آنذاك شارل ديغول عن الهدية الرمزية التي يرغب في الحصول عليها من الفن الحرفي اللبناني أجابه: «أي طاقم من الصناعة الجزينية». وقد سبق للرئيس اللبناني الراحل أيضا شارل حلو أن أهدى إحداها إلى كل من الملك فيصل بن عبد العزيز وعبد الرحمن عارف (حاكم العراق الراحل) وكذلك لشاه إيران. وكانت عبارة عن مجموعات من السكاكين والشوك وتوابعها مطعمة بالعاج والذهب الخالص، حتى إن مجموعات مشابهة لها مؤلفة من سيوف وخناجر قدمت أيضا من قبل وزراء وشخصيات سياسية لبنانية لزعماء عرب وأجانب لما تحمله من فن ودقة ومهارة يدوية.


أشهر محترفي هذه الصناعة في جزين هم من آل حداد وحبيب وجبور وجرجس عبد النور وفريد عون وغيرهم وتوالى شباب جزين على إتقان هذه الصناعة التي اعتبروها جزءا لا يتجزأ من تراثهم العريق فحافظوا عليها من جيل إلى آخر ونقلوها إلى أولادهم وأحفادهم.

ويؤكد النائب الجزيني السابق إدمون رزق لـ«الشرق الأوسط» أن هذه الصناعة تقتصر على جزين ولا يمكن تقليدها؛ لأنها تتطلب دقة في التنفيذ. وأشار إلى أن بعض رواد هذه الصناعة يملكون شهادات وبراءات رسمية بأعمالهم وبالخصوصية التي يستعملونها في الزخرفة كمن استبدل مثلا نقش رأس العصفور العادي برأس طير البجع. وأوضح أن مراحل تكوين السكين أو المقبض بشكل عام يتطلب وقتا وفنا، خصوصا أن قرون الماشية المستخدمة في هذه الصناعة باتت نادرة وتقويمها بات صعبا.


وأكد النائب السابق رزق أنه شخصيا لا يتنازل عن تقديم هذه الهدية في المناسبات الرسمية وغيرها؛ لأنه يعتبرها رمزا تراثيا تجب المحافظة عليه. وقد أهدى عام 1970 طاقما مؤلفا من 120 قطعة مصنوعة من العاج للرئيس المصري جمال عبد الناصر وأخرى للحبيب بورقيبة والملك الحسن الثاني والأمير عبد الله وحافظ الأسد.


بشارة رحيم، أحد محترفي هذه المهنة منذ أكثر من 50 عاما، اعتبر أن زبائن هذه الحرفة معروفون ويبحثون عن الجديد فيها ولا يستغنون عن تقديمها كهدية قيمة وأن البعض يوصي عليها قبل أشهر لتسلمها في موعدها المحدد لما تتطلب من جهد وعمل. ورأى أن البال الطويل هو من أهم مقومات هذه الصناعة وركيزة أساسية للإبداع فيها، كما أن النساء في استطاعتهن العمل في مضمارها؛ لأنها لا تحتاج إلى قوة بدنية بل إلى فن وابتكار.


أما سمير حداد، المعروف بـ«أبو طوني» (75 عاما)، فيؤكد من جهته أن الهدية الجزينية تضاهي أهمية أجمل الهدايا الموقعة من كريستوفل في باريس وكريستينر ومتاجر هارولد في بريطانيا وغيرها من المحلات والغاليريهات العالمية. وأشار إلى أن أحدا لا يمكنه أن يقلدها لما فيها من عمل وتفان. أما حلم سمير حداد فهو تزيين عمارات بيروت بالطريقة نفسها ليصبح لبنان جنة مزخرفة بحد ذاتها

November 2017
Sun Mon Tue Wed Thu Fri Sat
     1234
567891011
12131415161718
19202122232425
2627282930