هؤلاء النائمون تحت الأنقــاض

أحمد محسن - الاخبار
في الخامسة والنصف، ارتجّ المبنى، وارتجّت معه المنازل. في ثوانٍ معدودة، سقطت عشرات السنين على الأرض، ونام المبنى فوق أهله إلى الأبد. سبع طبقات سوّيت بالأرض، ورقد تحتها ثلاثة شبان هرعوا لإنقاذ والدهم المقعد، عمّال أجانب، وتلميذة المدرسة الصغيرة. عدد النائمين تخطى العشرين
ماتت آنا ماريا عبد الكريم. التلميذة، لن تستيقظ في السادسة، لن تمشط شعرها الطويل. لن تضع نظارتها وتختار كتب اليوم. لن تلبس المريول الأخضر وتفتح المظلة البيضاء في انتظار الأوتوكار. من بين الأنقاض تسلقت مظلة إحدى الرافعات وسقطت في شاحنة، وقرب مفترق «محلة فسوح» مرّ الأوتوكار. لكن آنا ماريا لم تفتح المظلة ولم تكن في الأوتوكار. قيل كلام مشابه في أطفال كثيرين ماتوا في الحروب. في آنا ماريا يقال أكثر من ذلك، لكن لا أحد رغب في الكلام. تقول جارةُ إن الفتاة كانت «عاقلة». شعبياً، عاقلة تعني هادئة. في اللحظة الصفر، كانت في المنزل مع شقيقتها التوأم، أنتونيلا، وكان هناك الشقيق الأكبر أنتوني. أصيبت الشقيقة بكسور في يدها. قد يكون المشهد سوريالياً هنا، فـ«اليد المكسورة كانت ممدودة إلى آنا ماريا». الجارة سمحت لنفسها بالاستفاضة، بالتفكير كثيراً في المشهد؛ «لأننا نعرفهم ونحبهم». طبعاً لم تكن في المنزل معهم لحظة الانهيار، لكنها تروي قصة تمتد إلى خمس دقائق، لسرد حدثٍ استمر ثواني معدودة. ثوانٍ معدودة أنهت أعواماً طويلة في جيرة المبنى. لقد قرّر المبنى أن ينام فوق أهله متجاوزاً اعتبارات الصداقة بينه وبين الساكنين. لم يقم حساباً للمعرفة القديمة أو لبراءة القتلى الصغار. يقول صاحب سناك قريب إن المبنى الملاصق «ظهر بلا جدران دعم وخلخل المبنى المنهار». لا يشك للحظةٍ واحدة في أن صاحب ذلك المبنى مذنب، مؤكداً أن الساكنين «طالبوه في أكثر من مناسبة بالتأكد من مراعاة بيوتهم». كانت بيوتاً طاعنة في السن، وأغلب ساكنيها كذلك. هل يمكن لومهم على نداءاتهم أو الطلب منهم أن يستكينوا قليلاً الآن؟ هل يقنعهم «رجال النيات الحسنة» الذين يسكنون قصوراً لم يخرجوا منها أمس إلا لتفقد أشلائهم. ماتت فتاة في الخامسة عشرة وهم مسؤولون عن دمها.
لا بد أن يكون هناك «مسؤول غير القدر»، تقول الجارة بحسرة.
والدة آنا ماريّا، فوالا عبد الكريم، التي تعمل في محل تجاري، تلقت اتصالاً في السادسة تقريباً. نقلوا لها فيه ما حدث. قالوا لها إن المبنى اختفى. جاءت، ولا أحد يعلم كيف وصلت تبحث عن أولادها. الوالد كان خارج المنزل هو الآخر. يقول الجيران «الله كبير». الله يحب الأم فوالا، لأن «أنتوني وأنتونيلا لم يموتا». وعلى هذا المقياس، يمكن الجزم بأن الله يحب آنا ماريا أكثر من الجميع. آنا ماريا أصغر الضحايا أعواماً. أول الذاهبين إليه. وتلك الفتيات، اللواتي كن يلبسن المريول الأخضر الموشوم بإشارة «نادي الحكمة» المألوفة، واقفات أمام الأنقاض، كن متجهمات ورأين أنفسهن في ركام آنا ماريا، هذا الغضب الذي أفسد الصباح.
اخلى الجيران مبنيين ملاصقين كي لا يباغتهم الموت
وحتى ساعة متأخرة، من عصر أمس، ظلّ أربعة من أفراد عائلة طانيوس فرحات من بلدة زحلتي ـــــ قضاء جزين، محتجزين تحت ركام المبنى المنهار. لعلها القصة الأشد مأساويةً؛ إذ نقل عن أقرباء الضحايا، أن جهاد، الذي طفت جثته فوق بقايا الدرج، صعد برفقة شقيقيه فرحات وشارلي، إلى المبنى رغم أنه تلقى إنذاراً من الطبقة الأخيرة، التي أعلنت بدء الاهتزاز القاتل. كانوا ثلاثة شبان في سباق مع زلزال قد يخطف والدهم. كانوا ثلاثة وصعدوا ثلاثتهم. لم يبق أحد منهم مع الوالدة جان دارك، التي غادرت الطبقة الأولى بعد طلب حاسم من الشبان، فيما كانت الشقيقتان غلاديس وغرازييلا خارج المنزل. جهاد ترك خطيبته مع والدته. غالب الظن أنهم ماتوا على الدرج. احتجزوا هناك خارج المنزل لكنهم ماتوا فيه في الوقت عينه. في تلك الحالات، الدرج هو المنزل. سكنته أرواحهم إلى الأبد. وصلت الطبقات إلى رؤوسهم بسرعة خاطفة، وبقوا هناك قرب والدهم. رفض واحدهم النجاة، فالنجاة فرادى أصعب من الموت جماعةً. يقول صديق للعائلة إن الشبان لطالما أصروا على الوالد أن ينتقل، لكنه أحب هذا المنزل لأنه لا يعرف العيش في غيره: «هذا الجيل هكذا» يستفيض صديق جهاد جازماً بأنه لا يلوم الضحية على موتها. يرسم صليباً على صدره ويصلي للموتى. تبقى هذه الجمل مجرد أقاويل تُحاك على مقاس الفاجعة. لكن الفاجعة أكبر من الأقاويل ومن مباني الأشرفيّة جميعها. جان دارك راقبت موتهم الذي ركضوا إليه. شاهدت بأم عينها شبانها الثلاثة يموتون مع والدهم. خسرت كل شيء دفعةً واحدة. صورهم دفنت معهم وأغراضهم ورائحتهم التي ابتلعها غبار كثيف. لم يكن الصعود إلى مبنى ينهار خياراً واقعياً، لكنه كان الخيار الوحيد... إذا كان الخيار الآخر هو الفرجة. لم يقبل أحد أن يرى ركاماً يغرق والده الغارق أساساً في كرسي بإطارات. ماتوا أربعتهم على الدرج. كان ينقصهم بضع ثوانٍ فقط للنجاة.
لم يسمع الجيران أصواتاً... «بتعرف يعني صقعة وتلج مين بدو يضهر بهالليل»، يقول شاب أربعيني، أتى لوداع «جيران العمر». يذكر أن عموداً انهار في الطبقة الأولى عشية الميلاد. كان إنذاراً سماوياً لم يتلقفه «صاحب المبنى كما ينبغي». الجيران ناقمون عليه، لا بل يصرّون، صاحب المبنى هو م.س. الذي يملك محلاً للخياطة في المبنى، لم يكن مفتوحاً لحظة انهياره. وللدلالة على أنه يعرف تاريخ المبنى، يقول الجار الذي هرع قبل الجميع إن المبنى كان مملوكاً من فؤاد فغالي، وباعه لرجل من آل منصور، الذي باعه بدوره لمالكه الحالي. ويلفت إلى أن الطبقتين العلويتين، المسكونتين غالبهما من العمال الأجانب، أضيفتا بطريقةٍ «غير شرعية خلال سنوات الحرب الأهليّة». ويومها «طنّشت» الميليشيات عن سير البناء الذي «لم يراع السلامة العامة طبعاً». كانت فوضى، والميليشيات تفعل ما تريده. وعندما عادت الدولة عادت بالتسويات. لم تكشف على صلاحيّة المبنى الذي سوّي بالأرض أول من أمس، وصار مسرحاً لا يمكن الجماهير التصفيق لأبطاله. فأبطاله جميعهم فقراء. الفرّان القريب موقنٌ أن «الإيجارات كلها قديمة، باستثناء العمال الأجانب، الوافدين الجدد». لا أحد منهم من الأشرفيّة أصلاً، بل قصدوها قبل الحرب وخلالها، هرباً من الفرز الديموغرافي الحاد آنذاك. غالطوا الحرب، لكن الدولة التي ورثتها أهملتهم. الجيران ساخطون. أخلوا مبنيين ملاصقين كي لا يباغتهم الموت، ويأتي السياسيون لمواساتهم، بعد خلوّ المكان من العاصفة.
يقول الشاعر الفرنسي، رينيه شار، إن العاصفة ممتعة إذا كان كان البيت قوياً. لكن البيوت كانت ضعيفة وكانت العاصفة متوحشة: استفردت بعزلة القاطنين، الذين فوجئت «الدولة» بوجودهم أمس. ماتوا لأنهم فقراء ولأنهم لا يملكون مكاناً يأوون إليه. لا شك في ذلك وجزء كبير من السكان كانوا عمالاً أجانباً. حافظ أحمد، العامل السوداني، الذي كان يقطن في شقة واحدة، مع سبعة من مواطنيه، غادر قبل ربع ساعة فقط. غادر ليحضر العشاء وعاد ليدفن الأصدقاء. هو أجددهم في المنطقة. وللمناسبة، لم يبد أي من السكان اعتراضاً على إقامة العمال الأجانب في المبنى، على عكس المناطق الأخرى، التي تشهد طفرة عنصرية ضد هؤلاء. الجميع تشارك المأساة أمس. حافظ لم يفكر في حياته أن موتهم هكذا سيكون. هناك ثمانية عشر سودانياً في أقل تقدير، حسب تقديرات حافظ، حتى الآن، رغم وقوفه في مكان الحدث، لم يعرف من مات منهم ومن نجا. يؤكد أن الشائعات التي تتحدث عن قفز أحد مواطنيه من الطبقة الخامسة، في اللحظات الأولى، صحيحة. لقد قفز الشاب السوداني، على طريقة المنتحرين من أحد برجي التجارة في نيويورك، ونجا. هذه المعلومة الوحيدة التي يعرفها الشاب، الذي لا تخفي لطافته كآبةً جاثمة على صدره. يكاد يبكي حين يعدّهم. لا يجد أغراضهم ولم يسمحوا له بالاقتراب. نُقل إليه أنهم يصنفون الموتى حسب جنسياتهم، حتى الآن: 9 لبنانيين، 6 سودانيين، مصريان، وفيليبينيتان، إحداهما كانت مارةً بالصدفة. وفي هذا الإطار، وصف السفير السوداني، إدريس سليمان الطلب من القاطنين إخلاء المبنى قبل نصف ساعة بالأمر «غير اللائق؛ لأنه كان يفترض الإغلاق منذ وقت طويل». بدوره، نفى السفير المصري وجود «أي مصريين مفقودين في المبنى»، واصفاً عمليات الإغاثة بـ«الحرفية». ورجح حافظ، العارف بأمور المبنى، أن أعداد الضحايا السودانيين سترتفع؛ لأنهم كانوا يسكنون الطبقة الأولى، في مقابل آل نعيم «أخواتنا وحبايبنا». اكتفى حافظ بالوقوف في الورشة القريبة، على طبقة مرتفعة، كي يحصي قبل الآخرين، جثث الأصدقاء.
وبين الواقفين كان هناك جار المبنى، يذكره قبل أربعين عاماً. يستدرك، موضحاً أنه لا يبالغ. هو عمره 45 اليوم والمبنى أكبر منه بقليل. من على شباكٍ، كان يقف عليه، شاهد الكارثة، فالمنازل كانت متلاصقة... «الحيط بالحيط ». يشرح: «بيت جعارة عالخامس، بيت بقلة عالرابع، وبيت نصر عالتالت، وعالأول، بيت نعيم، وعالسادس بيت عبد الكريم » يشبه المشهد بالدفن. دفن تحاول ذاكراتهم أن تكافحه. يرجح أن المبنى الميت أنشئ قبل الاستقلال، لكنه لا يستطيع الجزم. يفرك صلعته بإصبعين، كأنه يحفز ذاكرته على استعادة المشاهد. كان المبنى جميلاً والحيّ ضيعاوياً. وكانت هناك أشجار أكثر من المباني، حين سكنه آل جعارة، أصدقاؤه. تحديداً جاك، الذي درس المحاماة، وكان يعمل في مستشفى الجعيتاوي. استقبلته المستشفى أمس مرةً أخيرة، على سرير. لقد نام سريره وحيداً، تحت الركام، الذي حماه من العاصفة أربعين عاماً. يذكر أنه كان يلعب قربه حين كان طفلاً. لا يتخيّل المنطقة من دونه، وطبعاً، يقصد من دون أهله. عندما فكروا بالانتقال، مع أولادهم، كان خبراً مزعجاً. كيف تكون الحال إذا انتقلوا، هكذا، إلى الأبدية. يعاود حك الصلعة. يدقق في أشياء عالقة بين الحيطان المنهارة. قد يلمح قبعة والد جاك، أو معطفه. لكن لا شيء من ذلك يظهر. وكانت هناك سيدة خمسينية أرهقها الوقوف بين عاصفتين. العاصفة الأولى أودت بطريقة أو بأخرى بالمبنى العتيق، والعاصفة الثانية تدور في رأسها. ليس واضحاً إن كانت تهز يدها برداً أو خوفاً أو توتراً. فقد جمع وجهها صفات الألم، مبلولاً برذاذ دمع صباحي، متجهماً كالجرافات التي تفرغ حمولته في شاحنات ضخمة. وكان لسان حالها يتمتم على شفتين مثقلتين بالبرد: «برفق أيها الصليب الأحمر، برفق، أمي هنا، تحت الأنقاض، نامت بسلام». وفي مكانٍ ما إلى جانبها، رقد ليث، الفتى الأصم، الذي وقع في طفولته عن الطبقة الرابعة على سيارة متوقفة تحت المبنى، ولم يمت. فضّل الموت بعد سبع سنوات، أول من أمس، قرب والدته.

November 2017
Sun Mon Tue Wed Thu Fri Sat
     1234
567891011
12131415161718
19202122232425
2627282930