"طلعوا ع البيت وهيّي كانت"

هالة حمصي – النهار
شرِقُ وجه أنطونيللا عند لقاء صديقات حول سريرها. "انا بخير"، تقول مبتسمة، مُطَمْئنة. الذقن مجروحة، واليد اليمنى لُفَّت بعصابة... اصابات خرجت بها من ليلة مشؤومة. "كنت نائمة على السرير، وفجأة شعرت بشيء يهتز، ثم سادت ظلمة. شعرت بضيق تنفس، حاولت أن أصرخ، لكنني ايقنت ان احدا لا يسمعني. صَمَتّ، وانتظرت ان اسمع صوتا واحدا كي اطلب المساعدة".
لكن فترة مرت من دون ان تسمع شيئا، واعتقدت انهم لن  يجدوها. ثم سمعت وقع خطوات، فتعالى صراخها قويا. وامتدت ايد لانتشالها. اخبرت منقذيها عن اختها التوأم آن ماري، مشيرة الى انها في الغرفة المجاورة، "كي ينقذوها". تتكلم انطونيللا بهدوء في غرفتها في المستشفى، غير عالمة ان الاخت التي ارادت انقاذها فارقت الحياة.
آن ماري أُخرِجت أولا من بين الانقاض، "لكن شمعتها انطفأت"، يقول الوالد ايلي عبد الكريم. يداه تتمسكان بورقة يشرح انها نص كتبته آن ماري بخط يدها في صف التعليم الديني. استاذها أحضرها اليه، ذكرى من الابنة الغائبة. "لم تمت، بل قررت ان تذهب الى عند العذراء مريم ويسوع"، يقول. الكلام على دفنها امر يرفضه، مصراً على "ان الاربعاء سيكون عرسها، وندعو اليه الجميع".
بين الوالدة فابيولا الغارقة في الدموع، الحائرة بألمها، وولديه انطونيللا (16 عاما) وانطوني (26 عاماً) وامه عايدة، كان يتنقل، مواسيا هنا، مطمئنا هناك، مسترسلا في صمت ثقيل. "حصلت كارثة بانهيار مبنانا، وكانت اعجوبة بنجاة ولدي". كان ايلي يلعب الطاولة عند اصدقاء عندما فهم ان المبنى المشار اليه في التلفزيون هو مبناه. "ذهبت ورأيت البناية المنهارة وأولادي تحتها". مضت اعوام طويلة على اقامته وعائلته في ذلك المبنى. "نعرف ان عمره 70 عاما، لكن هل يعني ان كل مبنى قديم يجب ان ينهار؟".
ما يثير الريبة هو "المبنيان قيد الانشاء" في جوار مبناه. يقول: "يوم عيد الميلاد، سمعنا انفجاراً، واعتقدنا ان قارورة غاز انفجرت، وتبيّن ان عموداً انهار. لكن هل يعني الامر ان تنهار كل البناية؟ يجوز ذلك. لكن ليس على المستأجرين التحرك في هذا المجال، لان المبنى تم شراؤه قبل 3 اعوام". المعلومات تفيد ان مديراً في احد المصارف اللبنانية من آل سعادة هو الشاري، وقد عيّن شقيقه الخيّاط وكيلاً. والنية الخفية لـ"توفير الاموال" هي ما تثير الشكوك".
ما يؤكده ان احدا لم يحذر السكان من وجود خطر على المبنى. التحذير الوحيد الذي بلغ مسامعه هو "ان عمالا طرقوا باب والدتي نحو الخامسة والنصف عصرا وحذروها من ان البناية "عم تهر". و"هرّت" قبل ان تتمكن واولادي من الهرب. بالنسبة اليه، "الكثير يقال، ويجب ألا نتاجر بكارثة".
"الحمد الله ع السلامة"، يقاطعه الطبيب. "انطوني very good" (اي جيد جدا)، "ونخرجه اليوم من العناية الفائقة"، يطمئن الوالد. الرجلان يتشاوران، ويتفقان على عدم اقلاق بال الابن بغياب آن ماري. "انها نعمة. مُنِح ولداي حياة جديدة"، يعزي ايلي نفسه، فيما الوالدة تعجز قُبَل قريبات عن كفّ دموعها. المستقبل الذي ينتظر العائلة بعد انهيار مسكنها يراه ايلي في ضوء رجاء قوي. "ما دامت عائلتي معي، نعيش مجددا افضل مما كنا. نعتبر اننا مقبلون على زواج جديد. اين المشكلة؟".
على مرمى حجر من نافذة غرفتي انطونيللا وانطوني في المستشفى، كان المشهد مؤثرا: منطقة فسوح رازحة تحت صدمة. أحياء أُقفلت المنافذ اليها، شاحنات تأهبت لرفع الركام، سيارات اطفاء استعدت لأي طارئ، سيارات اخرى في ذهاب واياب، وكل مرة ايذانا باكتشاف جثة جديدة، مسعفون، منقذون غرقوا في ورشة انقاذ لم يعد يؤمل في ان تؤول الى ايجاد احياء فيها. ففي اليوم التالي على الانهيار، لم يعد هناك حديث عن احياء، بل عن جثث ارتفع عددها مع تقدم ساعات النهار.
جميلة تبكي كلما ذكرت اصدقاءها من آل فرحات. كانت تقف على مقربة، مترقبة كل جديد. "هل اخرجوا احدا منهم على قيد الحياة؟... يا حرام"، تسأل والغصة تخنق صوتها. كانت تقصد الشباب الثلاثة جهاد وفرحات وشربل الذين غادروا صباحا الى الصيد في زحلتا – الجنوب، بلدتهم، قبل "ان يتصل بهم احدهم محذرا من ان المبنى سينهار، ويجب ان يخرجوا والدهم العجوز طانيوس. ويبدو انهم لم ينجوا... "طلعوا كلن ع البيت، وهيي كانت". 
الشقيقة غلاديس فرحات نعيم تآكلها الغم. وقفت هناك واملها كبير "في خروج اشقائي ووالدي المحتجزين تحت الركام احياء باذن الله". قبل دقائق من الانهيار، كانت غادرت المبنى، بعدما سمعت صاحبه يحذر قاطنيه من النوم في منازلهم، بينما صعد الاشقاء الثلاثة لإخراج والدهم المعقد. لكن الانهيار كان أسرع.
واذا كان آل عبد الكريم يقطنون في الطبقة الخامسة، فان آل فرحات كانوا في الطبقة الاولى، "لهذا الامر يتطلب اخراجهم وقتا طويلا... وهل يمكن ان يكونوا صمدوا في الليل؟... اكيد مش معقول"، يتبادل نسوة من الحي اطراف الحديث، قلقات، حزينات، ويتحدثن عن الصبية التي هرعت الى الحي للاطمئنان الى "خطيبها جهاد" بعدما بلغ الى المسامع ان خطرا يتهدد المبنى. "اعرف اشخاصا كانوا مارين من هناك وسمعوا "طقطقة"، تفيد احداهن.
اختناق قاتل شعر به الابناء ريكاردو ورالف وريتا سعد عند مشارف الركام. ولا لحظة تركوا الموقع، لان الوالدين مارون (71 عاما – من بكاسين) وأليس (67 عاما) من الضحايا. الالم اصعب على ريكاردو من ان يتكلم، ويؤثر الصمت. فالوالد تم انتشاله، غير ان الوالدة لا تزال تحت الانقاض. ورداءة الطقس وحدها انقذت الاحفاد الذين اعتادوا زيارة جديهم كل أحد، على ما تفيد احدى القريبات. اليوم، تتذكر تحذير مارون وأليس من أن مسكنهما ليس آمنا. عبّرا عن ذلك مراراً، وقالا انهما طلبا من مالكه تأهيله، مفاوضين اياه على تركه.
في الشارع، طغى قلق، استياء مبطن بتساؤلات كثيرة، بينما ترددت اسماء عائلات أخرى دفن افرادها احياء في الركام. "مصيبة"، يقول احدهم. دموع "فارت" من عيني صبية من بنات الحي وقد اتشحت بالاسود، كأنها في حداد. صاحب متجر قريب تسمّر امام التلفزيون، متابعا ارتفاع عدد القتلى بتأثر. "عن جد مارون سعد وزوجته كانا في البناية؟"، يسأل المُتّصل به. ويردف: "الله يعين".

November 2017
Sun Mon Tue Wed Thu Fri Sat
     1234
567891011
12131415161718
19202122232425
2627282930