اطلاق تأهيل المكتبة الوطنية

النهار – مي عبود ابي عقل
في جلسته المنعقدة في 19/10/2011
في السرايا الحكومية "اكد مجلس الوزراء قراره المتعلق باخلاء وزارة الداخلية والبلديات مبنى كلية الحقوق في الصنائع بكامله للمكتبة الوطنية، والطلب الى الوزارة العمل على اخلائه دون ابطاء". فهل سيتحقق اخيرا مشروع النهوض بالمكتبة الوطنية؟ وما الذي يعوقه؟
  في تشرين الثاني تبدأ فعليا اشغال الترميم في المبنى التراثي الجميل الذي يعود الى عهد السلطان العثماني عبد الحميد الثاني، وكان يضم كلية الحقوق في الصنائع وسيتحول الى المقر الرئيس للمكتبة الوطنية التي ستزخر بالكتب والوثائق والمخطوطات القديمة والحديثة، في اطار مشروع النهوض بالمكتبة الوطنية الذي كان مجلس الوزراء قد اقره في كانون الثاني 2006 بهبة من المكتب الهندسي الخاص لامير دولة قطر حمد بن خليفة آل ثاني قيمتها 25 مليون دولار. وتشكلت لجنة خاصة وضعت مواصفات محددة اهمها ان تستوعب مليون ونصف مليون كتاب وتتسع لجهاز اداري من 150 موظفا. لكن عائقا كبيرا وقف في وجه استكماله  يعود الى اشغال "مديرية اللاجئين والشؤون السياسية" التابعة لوزارة الداخلية لأقسام منه منذ الانتخابات النيابية الاخيرة عام 2009، وعدم اخلائه حتى الان بحجة عدم وجود مكان آخر تنتقل اليه.
ويبدو انه تم التوصل مبدئيا الى تفاهم  على الطريقة اللبنانية بين وزارة الداخلية و"مجموعة ايرغا للدراسات والاستشارات الهندسية" التي اوكلت اليها اعمال البناء والترميم بعدما تلقت الشركة كتابا من مكتب امير قطر يحذر فيه "بحجب الهبة اذا لم تبدأ الاعمال مطلع تشرين الثاني".


شربل: اين اذهب؟
وفي اتصال مع "النهار"، استغرب وزير الداخلية والبلديات العميد مروان شربل "اتخاذ  مجلس الوزراء هذا القرار في غيابه واثناء وجوده في باريس" وأكد في اتصال انه "سيراجع رئيس الحكومة في هذا الامر لانه من المفروض ان يتخذ قراركهذا بوجودي". ولفت الى ان "هذه المشكلة تعود الى اعوام خلت، فلماذا التسرع الآن؟ في هذا المبنى توجد مكاتب مديرية اللاجئين والشؤون السياسية، وانتخابات سنة 2013 اصبحت قريبة وهي من مهماتها، فتشنا عن مكان آخر فلم نوفق حتى الآن فماذا افعل؟ نحن هنا في مكان موقت واذا وجدوا لنا مركزا آخر مجهزا بالوسائل الضرورية ويتمتع بالحماية اللازمة، لا مشكلة عندي، نخلي المبنى وننتقل. وحتى في هذه الحالة يلزمنا نحو شهر للانتقال". واوضح انه سبق ان "تم التفاهم والاتفاق مع الشركة المنفذة على صيغة حل تقضي بتجزئة العمل والتنقل بين طابق وآخر حين يتم الانتهاء من ترميمه، بشكل لا يعوق العمل وتقدمه. وانا لا ازال عند كلمتي".
وكان الوزير شربل ارسل كتابا الى وزير الثقافة غابي ليون  في 7/10/2011 يعلمه فيه بتعذر اخلاء المبنى في حال عدم توفر مكان بديل، واستعداده لنقل المكاتب من طابق الى آخر خلال فترة الاعمال من دون التعهد بالاخلاء الكامل. لكن القطريين اعترضوا  على هذه الصيغة، واشترطوا تسلم المبنى كاملا، والا تلغى الهبة ويتوقف المشروع.

 

جبرايل: ملتزمون الاتفاق
من ناحيته يؤكد رئيس الشركة المنفذة المهندس ايلي جبرايل "التزامه ايضا التفاهم المتفق عليه مع الوزير شربل ومحاولة تطبيقه قدر المستطاع لكي لا نخسر الهبة ولا نضيع فرصة اقامة صرح ثقافي كبير كهذا، رغم ان المبلغ المتوافر بالكاد يغطي التكاليف الضرورية للدراسات والاشراف والتنفيذ، ويبلغ 19 مليون دولار والبقية للتجهيزات والكمبيوتر وغيرها". واكد انتهاء ملف الدراسات ووضع التصاميم الهندسية والداخلية والتقنية لتأهيل المكتبة، وتم تلزيم الاشغال الى "شركة حورية للمقاولات"، لينطلق العمل في تشرين الثاني المقبل لمدة سنتين، تكون بعدها المكتبة الوطنية جاهزة لاستيعاب مليون ونصف مليون كتاب ومطبوعة على مراحل، رغم ان المتوافر حاليا لا يتجاوز الـ 150 ألف وثيقة و3000 مخطوطة، من دون ان ننسى التوجه الكبير حاليا نحو الكتب الالكترونية.

تراث وحداثة
واشار جبرايل الى النية التامة في المحافظة على الطابع التراثي للمبنى الذي يعود الى مطلع القرن الماضي وترميمه وفق مواصفات الدراسة التي وضعتها وزارة الثقافة ومجلس الانماء والاعمار، يقوم على مساحة 24295 مترا مربعا، ويتألف من جناحين ستربط بينهما صالة زجاجية ضخمة تبلغ مساحتها 600 متر مربع تشكل القاعة الرئيسية للمطالعة واقامة الاحتفالات. ويتألف كل جناح من طابقين ستتوزع عليهما قاعات عدة متوسطة وصغيرة، بعضها مستقلة للمطالعة واجراء البحوث، واخرى لاقامة المعارض المتنوعة، مع محترفات للترميم  و" كافتيريا"  ومتجر صغير للصور والتذكارات ومسرح صغير، اضافة الى الاقسام الادارية وغرف الموظفين، ويمكن ان تستقبل 500 قارىء في آن. ولم ينس المصمم تخصيص 6170 مترا مربعا للمساحات الخضراء وتحويلها حديقة يتلاءم طابعها مع المبنى العثماني ويتناغم مع حديقة الصنائع المقابلة، وستنشأ تحتها اربعة طوابق مساحة كل واحد منها 3 آلاف متر مربع، يخصص الاول منها لمرآب السيارات، والثلاثة الاخرى مستودعات يستوعب كل واحد منها 166 ألف كتاب ودورية، تعتمد الرفوف المتحركة في بعض اماكنها ،وتتمتع بالشروط الحديثة والعالمية المناسبة للحفظ من عوامل الحرارة والرطوبة، وللتوضيب والتنضيد. ومع تطور الطباعة، وفي عصر الانترنت والتحول الى الكتب الرقمية، يلحظ المشروع تجهيز المكتبة بمستودع خاص لاستيعاب الكتب الالكترونية مع كل ما يلزم من تجهيزات تقنية وفنية.
ومن الخارج سيظلل القرميد الاحمر المبنى، وسيزود بالمصاعد والتسهيلات الضرورية لذوي الحاجات الخاصة، وسيزود بنظام الحماية من الهزات الارضية. 
ويأمل جبرايل في هذه الاثناء "الاسراع في تشكيل الجهاز الاداري والبشري وفق الهيكلية التي وضعتها لجنة متابعة مشروع النهوض بالمكتبة الوطنية لمواكبة العمل، وإدارة المكتبة، وتلبية حاجاتها ومهماتها وتنفيذ سياستها وبرامجها، ويكون افراده مدربين ومؤهلين للعمل على التجهيزات الحديثة وعلى التعامل مع الباحثين وضيوف المكتبة وزوارها". 
تاريخها
تأسست المكتبة الوطنية عام 1921 حين وهب مؤسس "دار الكتب الكبرى" الكونت فيليب دو طرزي الدولة اللبنانية جزءا من مجموعته الشخصية التي تحوي نحو 20 الف وثيقة مطبوعة و3 الاف مخطوطة بلغات عدة. وفي عام 1924 صدر القرار 2385 الذي يشرع الايداع القانوني ويلزم كل ناشر ايداع نسختين من كل ما ينشر او يعاد نشره في المكتبة الوطنية، وبذلك وصلت مجموعتها الى 32 الف كتاب حين انتقالها الى مبنى مجلس النواب في ساحة النجمة عام 1937، وبلغت 200 الف عشية اندلاع المعارك عام 1975.
وبفعل الحرب تعرضت المكتبة للسرقة والنهب، وفقدت منها مجموعات نادرة ومخطوطات عرضت احداها للبيع في لندن بمبلغ مليون و600 ألف جنيه استرليني، وتنقل ما سلم منها  بين مستودعات مبنى "الاونيسكو" وحرم الجامعة اللبنانية فمنطقة السوق الحرة حيث خزنت في ظروف سيئة مما عرضها لاضرار كبيرة نتيجة العفن والرطوبة وفقدان ادنى مقومات الحفظ وشروطه.
عام 1999، أطلقت وزارة الثقافة ورشة اعادة تأهيل المكتبة بناء على تقرير وضعته بعثة من خبراء "المكتبة الوطنية الفرنسية" والاتحاد الاوروبي، وتقرر بموجب المرسوم رقم 31 تخصيص مبنى كلية الحقوق في الجامعة اللبنانية في الصنائع لانشاء مقرها الجديد. ومنذ ذلك الحين انطلق مشروع إعادة إحيائها وتأهيل المجموعات القديمة وترميم الوثائق وتعقيمها. ولدى المكتبة حاليا نحو 3 آلاف مخطوطة و150 ألف عنوان تتوزع بين كتب ودراسات ومنشورات ووثائق ودوريات.
وفي 27 آذار 2000، أنشأ مجلس الوزراء "المؤسسة اللبنانية للمكتبة الوطنية" بقرار صادر عن وزارة الداخلية رقم 37/أد، ومهمتها المساعدة في احياء المكتبة وتفعيل دورها، فتولت نقل الكتب واشرفت على تأهيلها وترميمها ووفرت الدعم المادي. وفي 5/1/2006 اقر مجلس الوزراء "مشروع النهوض بالمكتبة الوطنية" بدعم وتمويل قطري بلغ 25 مليون دولار، لكنه بقي حبرا على ورق لاسباب عدة ابرزها حرب تموز والظروف السياسية التي مرت في لبنان اضافة الى اهمال الدولة للجانب الثقافي في البلد. وفي 16/1/2008 صدر القانون رقم 36 الذي اصبحت المكتبة الوطنية بموجبه مؤسسة عامة. وفي 10 أيار 2009 تم وضع الحجر الاساس للمكتبة في الصنائع، في حضور عقيلة امير قطر الشيخة موزة بنت ناصر المسند، لينطلق حاليا ولمدة سنتين تتزين بعدها بيروت بصرح ثقافي- تراثي ضخم يعيدها عاصمة للكتاب والثقافة في العالم العربي.

November 2017
Sun Mon Tue Wed Thu Fri Sat
     1234
567891011
12131415161718
19202122232425
2627282930