البيوت التراثية تتساقط

مي عبود أبي عقل – النهار

"البيوت التراثية" مسألة احتلت مساحات واسعة في وسائل الاعلام، وتحولت قضية لهيئات المجتمع المدني، وازمة للدولة اللبنانية. السباق محموم بين الجرافات والهدم من جهة والحفاظ على ذاكرة المدينة وطابعها من جهة ثانية. والتواطؤ في شأنها بين المالك والشاري، يؤكد بوضوح ان الصراع الحقيقي الذي يدور بين حماة التراث ومدعي الحداثة والاعمار يعود الى امرين اساسيين: المال والسلطة أولاً والطمع والجهل ثانياً.. وفي كل الاحوال تتحمل الدولة المسؤولية الاولى في كل يجري من هدم وخراب وضياع للهوية. في ادراج مجلس النواب، يقبع "مشروع  قانون حماية المباني والمواقع التراثية" منذ أعوام؟ اين اصبح اليوم؟ وماذا يفعل وزير الثقافة الجديد غابي ليون في هذا الشأن؟
معظم وزراء الثقافة الذين توالوا ابدوا تجاوباً كبيراً مع هذه المسألة التي تحولت قضية في حد ذاتها، وقدموا لها دعماً قوياً، وعمل كل واحد منهم بجهد ليبصر هذا القانون النور... ولكن من دون جدوى، وبقيت البيوت تتساقط الواحد تلو الآخر حتى كادت تندثر.
 فقد رفع كل من غسان سلامة في تموز 2001، وغازي العريضي في تشرين الثاني 2003، وطارق متري في تموز 2007، ثلاثة مشاريع قوانين تراثية تكمل بعضها البعض وامتنعوا عن اعطاء أي ترخيص بالهدم. وشكلت هذه المسألة الشغل الشاغل للوزيرالسابق سليم وردة وجعلها في سلّم اولوياته. ورغم ذلك بقي سيف الهدم مصلتاً على البيوت التراثية لا بل تعرض بعضها للهدم الفعلي.
وكان مجلس الوزراء قد وافق منذ ثلاثة أعوام في جلسته المنعقدة بتاريخ 28/7/2007 على "قانون  حماية المباني والمواقع التراثية" وأحاله على مجلس النواب حيث أخذ قسطاً وافراً من النوم في ادراجه، الى ان استفاق في "لجنة الاشغال العامة والنقل والطاقة والمياه" التي اشبعته درساً، ثم أدرج بنداً في جدول أعمال جلسة اللجان المشتركة في 1/7/2010 لكنه لم يناقش، وعاد الى مكانه المعتاد في "الجارور". علماً انه يضع آلية للحماية، ويلحظ اعفاءات وتعويضات مادية تشجع المالكين على المحافظة على عقاراتهم وترميم مبانيهم في اطار معايير محددة، ويحدد غرامات وعقوبات على من يخالف الأحكام المنصوص عليها، وينشىء "صندوق التقديمات"، ويضع قائمة "التحديد الموقت للعقارات التراثية المحمية" وقائمة "العقارات التراثية المحمية".

سياسة الوزارة
 البيان الوزاري لحكومة "كلنا للوطن.. كلنا للعمل" الحالية، أكد انها ستعمل على "المحافظة على التراث المعماري في لبنان، ونشر ثقافة السياحة الاثرية والتاريخية والتراثية، والنهوض بالشأن التراث الثقافي". بعد مرور شهرين ونيف على تشكيلها ونيلها الثقة، أين الحكومة من هذه الوعود التراثية؟ وماذا فعل وزير الثقافة غابي ليون لحث مجلس النواب على  اقرار هذا القانون؟
في اتصال مع "النهار"، أكد الوزير ليون ان "قانون حماية المباني التراثية لا يزال ينتظر ادراجه في جدول أعمال جلسة اللجان المشتركة تمهيداً لإقراره. وهذا الامر سيسهل العمل كثيراً على الوزارة ومديرية الآثار لانه سيضع الاطار القانوني لتصنيف المباني التراثية وادراجها في لائحة الجرد العام". ولفت الى "نية الوزارة وضع كل المباني التراثية في بيروت والمناطق على هذه اللائحة للمحافظة عليها واطلاق عملية ترميمها باشراف مديرية الاثار، كما يحصل في كل البلدان التي تحترم تاريخها وثقافتها. وهذا ما يساعد في وقف هجمة الباطون وتشييد المباني الزجاجية والمرتفعة".
من ناحيته، شرح المستشار الثقافي للوزير ميشال دوشدرفيان سياسة الوزارة التي "تقوم على مبدأ حماية الارث المعماري في كل لبنان وليس في بيروت فحسب. وهذا يشمل الاحياء والمباني ذات الطابع المعماري الفريد التي بنيت في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، او تلك التي ترتبط بشخصية معينة أو ذكرى أو مناسبة مهمة، وليس المزينة فقط بالقناطر والعقد الحجر. مما سيحافظ على طابع بيروت وذاكرتها وذكرياتها".

المجتمع المدني
ضرورة المحافظة على التراث تلاقي حماسة كبيرة من المجتمع المدني. فمنذ مدة تشهد الساحة البيروتية حركة نشيطة وتظاهرات ودعوات من جمعيات أهلية وهيئات مدنية وشبابية الى المشاركة في مسيرات، هدفها لفت النظر الى خطورة ما يحدث من هدم للبيوت التراثية، والاحتجاج على تلكؤ الدولة والمعنيين في القيام بواجباتهم لمنع هدمها، وتسليط الضوء على اهمية الحفاظ عليها لحماية النسيج الاجتماعي- العمراني - الاقتصادي في مدينة تاريخية مثل بيروت مرت عليها كل الحضارات. كذلك تنشط هذه الجمعيات في توزيع بيانات مرفقة بالصور والمعلومات عن البيوت المهددة بالسقوط او بالاحرى بالاسقاط.
الناشطون في هذه الجمعيات يلفتون الى ان "هذه التحركات تؤكد الحس الوطني والوعي الثقافي  الذي يتمتع به الشباب اللبناني والمجتمع المدني الذين يشكلون الدعامة الاولى والاساس في حفظ ما تبقى من تراث في هذا البلد، ولولاهم لما بقي شيء". لكن القانونيين الناشطين في مجال التراث يقرون بأن "وضع العقارات والمباني التراثية على لائحة التجميد لمدة تزيد عن ستة اشهر قابلة للتجديد ستة اشهر أخرى، هو امر منافٍ للقانون ويمكن أصحابها الطعن به وربح الدعوى، ما عدا العقارات المدرجة في لائحة الجرد العام، وتالياً من حق اصحاب هذه البيوت بيعها قانوناً او هدمها والتصرف بها كما يشاؤون، والدليل ما اعلنه الوزير وردة في  مؤتمره الصحافي في 11/5/2011 ان "وزارة الثقافة خسرت 4 دعاوى من أصل 14 دعوى مقامة امام مجلس شورى الدولة، على اساس انني منعت هدم منازل، وهذا ليس من حقنا، وبالقانون لديهم الحق، وهم يربحون الدعاوى، وعندما يصدر قرار عن مجلس شورى الدولة يجب تنفيذه. واذا لم يقر هذا القانون سيذهب كل ما قمنا به أدراج الرياح ولن يبقى بيت تراثي".
اذن، يكمن الحل الجذري في حزم الدولة امرها واتباع سياسة حماية التراث فعلاً لا قولاً، والسير في طريق اقرار "قانون حماية الابنية التراثية".
وما دام هذا القانون بم يقرّ، فعبثاً كل التحركات والتظاهرات والمقالات والتحقيقات الصحافية والاعلامية، وحتى قرارات ورخص منع الهدم التي يصوغها وزراء الثقافة لا تفيد وتتحول غير قانونية.
من هنا، ضرورة التركيز والضغط على مجلس النواب لإقراره تمهيداً لتطبيقه لأنه الحل الوحيد والاكيد للمحافظة على البقية الباقية من البيوت والمواقع التراثية قبل ان تلتهمها حيتان السلطة والمال.

November 2017
Sun Mon Tue Wed Thu Fri Sat
     1234
567891011
12131415161718
19202122232425
2627282930