مغارة جعيتا خريطة للنهر الجوفي

باسكال عازار - النهار 
من أعماق المغارة، نقل جوزف شربين وجو خوري وحبيب حداد لبنان إلى العالم ليتربّع مع جعيتا في قائمة الدول التي روت عنها الأفلام ووضعت لها الخرائط في أوروبا. إنجاز لبناني صرف، ولد من مغامرة مجنونة لاعبت جرأتها الموت في زوايا متفرقة من المغارة، فالأبطال الثلاثة اقتحموا عالم ما تحت الأرض بكهوفه وأنفاقه لاستكشاف النهر الجوفي الذي يعود عمره إلى ملايين الأعوام، ليبدو الشريط المصوّر بمشاهده الحقيقية التي تقطع الأنفاس كما لو أنه مغامرة هوليوودية تفتح خاتمتها الآفاق أمام سلسلة غير متناهية من الإكتشافات اللاحقة.
يعود جوزف شربين إلى البدايات لسرد "مشروع العمر" كما يسمّيه، فهو مهندس يهوى الغطس في المغاور والتصوير تحت المياه ويمارس هوايته منذ 18 عاماً، "قمت بمبادرة فردية بمراجعة الخرائط الرسمية لمغارة جعيتا ولم أقع على دراسة منذ 1960 لها علاقة باستكشاف نهرها الجوفي، فقررت الغطس فيها لأنني أدرك أن في مغاور مماثلة يكون ثمّة مهرب للمياه أو مصدر لها، اقترحت المشروع على رئيس شركة "ماباس" المسؤولة عن إدارة مغارة جعيتا الدكتور نبيل الحداد، فوافق وانطلق المشروع عام 2004".
اعتاد الفريق ممارسة الغطس في البحر منذ الثمانينات، "لكن ما إن بدأنا الغطس في المغاور الجبلية حتى تعلّقنا بها وأحجمنا قليلا عن الغطس في البحر". ولفت شربين إلى أنه ليس ثمة خطوات أو آلية محدّدة تزامنت مع عملية الغطس، "فكلّ مشروع يحدّد خطواته ومتطلباته وما من آلية محددة يمكن تطبيقها على كل هوّة أو مغارة مغمورة. قمنا بداية باستكشاف 10 أو 15 متراً ثم ناقش الفريق الصعاب والمشكلات التي واجهها وسبل تذليلها. لقد عملنا ببطء خلال فترة الإستكشاف، إذ لا يمكننا أن نغطس 200 متر منذ المرة الأولى، فأهم الغطاسين في العالم ماتوا في المغاور، علماً أنني اعتقد أن المغارة ولبنان لا يحتملان مشكلة بهذا الحجم".


عزيمة ذلّلت كلّ الصعاب
إنجازات عدة وفق شربين حققها هذا الإكتشاف، "فقد أصبح للمغارة كغيرها من مغاور العالم خريطة وشريط مصوّر بتقنية ثلاثية البعد. أما على المستوى الرسمي، فقد تمكّنا من توفير المعلومات لوزارة الطاقة والمياه من مصدر مياه يصبّ في النهر الجوفي للمغارة ويروي نحو 70% من سكان بيروت. وهذا أيضاً يسهّل عملية ملاحقة مصادر التلوث للمياه التي لم يعد مصدرها يقتصر على داريا فحسب، بل على مصدر آخر غير موجود على الخريطة الرسمية للمغارة. لم نتمكن بعد من تحديد موقع هذا المصدر، لكن أثبتنا وفق دراسة علمية، أن المياه التي اكتشفنا ممرها ليست المياه عينها التي تأتي من داريا".
وسرد شربين الصعاب التي واجهت الفريق وأبرزها ضيق المساحة "بالكاد كنا نتمكن من اجتياز الممرات. إلى ذلك شكّل مدّ الحبل و"الضلغان"، أي الوحل الأحمر الملصق على الحيطان والمتراكم منذ ملايين الأعوام الصعوبة الأبرز، فالهواء الذي خرج من جهاز التنفس ضرب الوحل الذي سقط علينا، وهذا أمر مخيف جداً". أضاف: "تخطينا هذه المشكلة بمبادرة من حبيب الذي رفض العودة ودخل منفرداً نحو ست غطسات متتالية، أزال فيها الجهاز من فمه لينفخ الهواء مُسقطاً الطبقات الضلغانية ومواجهاً الخطر بمفرده، فدخلنا بعد ذلك من دون مشكلة لأن السقف أصبح نظيفاً".
لم تكن خطورة الرحلة المعوّق الوحيد الذي ذلّله الفريق، وإنما أيضاً الكلفة الباهظة للإستكشاف الذي تحمّله الفريق منفرداً من دون أي تمويل أو دعم. فقد قام شربين بتصنيع أجهزة الإضاءة الخاصة بالغطس والباهظة بنفسه، بعد أن راقب كيفية تصنيعها في أوروبا.
وقدّم شربين وصفاً للإكتشاف "فقد وصلنا إلى أماكن تضم ترسّبات وأعمدة اعتدنا رؤيتها في المغارة، وثمّة غرفة هواء 80 أو 90% منها عبارة عن طبقات ضلغانية حفرتها المياه، مما يعني أنه نهر جوفي قديم يعود إلى ملايين الأعوام. لقد وصلنا إلى عمق 35 متراً، أما طول المسلك الذي اجتزناه فهو 250 متراً". وأضاف: "تمكّنا حالياً من وضع خرائط لمسافة 250 متراً، أما الموجود خلف ما وصلنا إليه فلا يزال مجهولاً. ففي المكسيك مثلاً، قام غطاسون بعملية غطس في إحدى المغاور الجبلية وخرجوا منها إلى البحر، لذلك ما من حدود للجيولوجيا وما من شيء مغلق في وجهها، فمن الممكن أن ينتهي النفق في قرية أخرى أو محافظة أخرى".
ووعد بإكمال رحلة الإستكشاف التي قد تمتد لسنوات يمكن تحديدها "مررنا في لحظات إحباط وخوف وقلق، حتى أنني كنت أشعر أحيانا أنني عاجز عن النزول إلى المياه عندما كنت أفكّر بعائلتي. لكني، تجاوزت مشاعري واستمريت لأنني شغوف بما أقوم به".

لا دعم ولا سياسة
وتحدّث خوري عن مراحل التدريب: "بدأناه برّاً ثم بحراً وفي المغاور. كنا نتدرب على أمور أساسية من بينها خلع العدّة التي تعتبر خطوة ممنوعة في الغطس داخل المغاور. بالإضافة إلى التدرّب على مواجهة الوحل الأحمر". الأهمية الكبيرة للإكتشاف وفق خوري، "هي على المستوى العلمي، فمن الصعب جداً ترجمة الإكتشاف على المستوى السياحي لأن الرحلة السياحية قد تتطلب غوّاصات فردية حتى تتمكن من عبور الممرات الضيّقة، وهذا صعب جدا."ً
وتمنى "أن يبقى الإكتشاف علمياً دون ولوج زواريب السياسة، فنحن لم نطلب الدعم من أي جهة حتى نبقى بعيدين من مشكلات التمويل، لأنها قد تترجم لاحقاً بطريقة سياسية". وأضاف "الكل بات يعرف كيف يتواصل معنا وبالتالي في إمكان المهتمين أن يدقّوا أبوابنا، وأنا هنا أتحدث عن جعيتا فقط، لكن ثمّة اكتشافات عديدة للفريق لم نعلن عنها، لذلك يمكننا التعاون مع من يرغب في موضوع جعيتا وغيره من الإكتشافات المتعلّقة بالسياحة والبيئة والمياه. وثمّة اكتشافات في مغاور جبلية تتضمن مياهاً وأنهراً جوفية وينابيع، والإكتشافات الكبرى هي في الشمال، وثمّة اكتشافات أثرية في البحر، والفضل الكبير في ذلك يعود إلى شربين."     

إقدام وجرأة وحبّ للحياة
استفسرت "النهار" من حدّاد عن مشاعر الخوف التي كانت قد راودته لدى اقتحامه أحد المواقع في المغارة ست مرات لإزالة الضلغام منفرداً، فأجاب "إجمالاً أنا مندفع ولا أستسلم بسهولة، أخذت هذه المبادرة حتى لا تتوقف رحلتنا عند هذا الحدّ ويضيع كلّ تعبنا. لم أشعر بالخوف وكان اندفاعي كبيراً جداً وقد تزامن مع حرصي على حياتي طبعاً".
مشكلات كثيرة رافقت 30 أو 35 غطسة تحدّث عنها حداد "ورغم ذلك نحضّر أنفسنا حالياً للإنطلاق في المرحلة الثانية قريباً". وأسف من أن الناس تسأل دائماً "برافو عليكن بس شو طلعلكن؟"، مؤكداً "أننا لا نبحث عن أي منفعة مادية فنحن بدأنا كهواة واستمرارنا كان بفعل حبّنا للإستكشاف، ولقد كبرت هذه الموهبة لتتحوّل عملاً ينتفع منه لبنان. لا أعتقد أن الجهات المعنيّة ستهتم بما اكتشفناه لأننا لن نسمح لها باستغلاله مالياً أو سياسياً".

September 2017
Sun Mon Tue Wed Thu Fri Sat
         12
3456789
10111213141516
17181920212223
24252627282930