في جزين للسهر طعم جنوبي آخر

كتب علي منتش في "النهار": سويسرا الشرق، هذا هو المصطلح الذي كان يطلق على لبنان في مرحلته الذهبية، في الفترة التي سبقت الحرب التي اعادته عشرات السنين الى الوراء، بعدما كان لفترة في مقدمة مقاصد الجذب السياحي عربياً وعلى الصعيد الدولي ايضاً.
كانت جزين بموقعها الجغرافي مصيفاً ومقصداً سياحياً بارزاً، تعج بالعرب الذين يقصدون شلالاتها ويمكثون في فنادقها ويسهرون في ملاهيها. لكن الاقتتال كان ضربة قاضية دمرت السياحة في المناطق اللبنانية كلها، وبدلاً من السياح والساهرين احتل المسلحون الشوارع والبيوت، والطائرات سرعان ما استبدلت السياح بالسلاح.
ودخلت جزين التي لم تكن تعرف النوم، في سبات طويل، مميت دمر قطاعاتها الاقتصادية واهمها السياحية.
لكن جزين اليوم ومنذ ثلاث سنوات، تشهد ظاهرة انتشار عدد كبير من المطاعم والمقاهي والملاهي الليلية التي تفوق بأعدادها حاجة سكان المنطقة، وهذه الظاهرة في ازدياد وتوسّع.
في المقابل، يعاني قضاء جزين تناقصاً مستمراً في عدد سكانه، ما يطرح تساؤلات عدة في شأن استمرار الظاهرة. فالعرض يفوق الطلب في المنطقة. واذا كانت المنطقة تستقبل سياحاً وزواراً من المناطق الاخرى وأجانب فإن عودة المنطقة الى سابق عهدها وعودة الروح الى صلاتها مع المحيط تبقيا رهن الأيام.

يقسم انطوان منصور، رئيس لجنة المهرجانات في جزين، التاريخ السياحي للمدينة الى ثلاث مراحل: "ما قبل العام 1948 اذ كانت السياحة الجزينية تمر في فترتها الذهبية، فكانت تضم تسعة فنادق تعج بالسياح العرب واهالي المناطق المجاورة، ما بعد النكبة وفيها شهدت جزين تراجعا كبيرا في استقطاب السياح العرب، الفلسطينيين والمصريين خصوصاً. اما المرحلة الثالثة فهي سنوات الحرب واختفاء جزين كليا عن الخريطة السياحية، ولم تعد اليها الا في عام 2000."

العودة بحسب منصور "كانت بطيئة في البداية غير ان المهرجانات التي بدأت منذ نحو تسع سنوات ساهمت بشكل او بآخر في تفعيل الحركة السياحية، اذ عملت على تسويق جزين على مختلف الصعد البيئية والاقتصادية والخدماتية. وانشأت البلدية الحالية لجنة خاصة بالمهرجانات ايمانا منها بالدور الترويجي الذي تضطلع به النشاطات الضخمة، على ان ذلك لا يعني إهمال نشاطات اخرى اقل حجما كمعارض الرسم والبطولات الرياضية وغيرها."

يشير منصور إلى أن السياحة في جزين تتطور سنويا: "ما نشهده هذه السنة في جزين يشكل نقلة مهمة في القطاع السياحي والفنادق الاربعة الموجودة في المنطقة ممتلئة تماما وكذلك الحجوزات في المطاعم والملاهي. أحوال جزين هذه السنة مختلفة عن سابقاتها إذ إستعادت دورها في استقطاب سكان المناطق المجاورة في صيدا والنبطية والزهراني واقليم التفاح والشوف. ونحن، الشباب الجزيني والمجلس البلدي، يعملان باستمرار على تطوير الحياة في جزين لتمكينها من منافسة عاليه وجبيل وغيرها من المناطق السياحية المهمة في لبنان."

المنافسة
يقلل سليمان ابو نادر من حجم الظاهرة: "بصفتي مدير احد الملاهي الليلية في جزين أرى ان ما يظهر للعلن على انه ظاهرة مميزة هو في حقيقته أمر طبيعي بل هو اقل من المطلوب حتى. فعلى امتداد مساحة الجنوب لا يوجد سوى عشرة ملاهي ليلية غالبيتها في منطقة جزين، واعتقد ان مثل هذا العدد قليل قياساً على منطقة بهذا الاتساع."

ويلفت ابو نادر إلى "ان 70% من رواد ملهانا هم من ابناء المنطقة الذين يقصدوننا طيلة ايام الاسبوع. اما الباقي فهم من المناطق المحيطة التي لا ملاهي ليلية فيها. مما يعني أن جزين هي الحل الأمثل لمن يهوى السهر. لكن في الوقت ذاته نجد ان صيدا تستقطب ايضا اهالي جزين وخاصة بعد بناء الأسواق المغلقة فيها. لذلك ان هذا الواقع الجزيني لا يمكن اعتباره ظاهرة."

هذه النظرة المتشائمة لا تعني ان جزين لن تعود الى سابق عهدها، يستدرك أبو نادر، مضيفاً: "السنوات القليلة الماضية اعادت جزين الى السكة الصحيحة. ورغم ان هذه العودة اتسمت بالبطئ الا انها بدأت تشعرنا بأن استفاقة جزين وإستعادتها مجدها اصبحا ممكنين، وخصوصاً في ظل المنافسة الكبيرة التي تشهدها المنطقة المؤدية الى تأمين الخدمات باقل سعر ممكن، وإن عنى ذلك في المقابل خفض الارباح، وهذا ما لا يسعد رب العمل بطبيعة الحال، الا انه في حالتنا الراهنة يفرحنا، إذ يدفعنا خطوة الى الامام في عملية جذب السياح."

وينهي ابو نادر حديثه بالتشديد على اهمية الدور غير المباشر الذي يقوم به أهالي المنطقة القاطنين في بيروت والذين يزورونها اسبوعياً وفي العطل ناقلين معهم صورة جزين الحقيقية.
يعارض فادي مقنزح، مدير مطعم في جزين، تشاؤم ابو نادر قائلاً ان "صيفية جزين هذه السنة كانت اكثر من رائعة، والسياحة المحلية عادت لتذكرنا بأيام العزّ. فالمطاعم تعمل من دون توقف في النهار وفي الليل، وحجوزات الفنادق في ذروتها. جزين تتقدم سنويا 20%، منذ ثلاث سنوات، فروادنا يأتون من كل المناطق اللبنانية ولا سيما تلك المحيطة التي تؤمن لنا اكثر من نصف روادنا، فجزين كانت وستبقى مقصدا لكل اللبنانيين، رغم ما مرّت به."

يلخص مقنزح المشاكل التي تعوق العودة الحقيقية للسياحة في جزين بأمرين: "أولهما يكمن في عدم قدرة جزين على استقطاب السياح شتاءً كما تفعل مناطق أخرى، اذ يقتصر عمل المقاهي في هذا الفصل على اهالي المنطقة القاطنين في بيروت والذين يقصدون جزين في نهاية الاسبوع، وثانيهما يتمثل في عدم وضع وزارة السياحة جزين على اللائحة السياحية ولو بنسبة 15%، وهو الامر الذي لو تم سيتيح للسياح العرب والاجانب التعرف الى جزين وزيارتها."

الرواد
يقول هلال البوبو: "السهر أمر اساسي في حياتي. ذلك أنني معتاد عليه منذ الثامنة عشر من عمري، وهو من الامور التي تخفف ضغط العمل عن كاهلي. ففي صيدا حيث اسكن يوجد الكثير من المطاعم والمقاهي التي تفتح حتى ساعات الصباح الاولى، لكن المدينة تفتقر الى النوادي الليلية التي تعطي للسهر طعماً آخر."

يضيف: "ان صيدا تطورت بشكل لافت في السنوات الماضية غير أن هذا التطور لم يصل إلى الحياة الليلية التي ابقت على محافظتها. مع العلم ان عدداً كبيراً من شبان وشابات المدينة يقصدون منطقة جزين للسهر في ملاهيها، ما يبين حاجة صيدا الى مثل هذه الأماكن."

صيدا التي اخذت مكانة جزين سياحياً، بحسب البوبو، اصبحت مقصد الجزينيين بعدما كانت مقصدا للصيداويين: "السياحة الداخلية اصبحت معاكسة لما مضى. وعودة جزين الى سابق عهدها رهن بتطور حياتها الليلية. ولتطور المجتمع الصيداوي دور أساسي في تحديد النهاية التي ستصل اليها هذه المسألة. فاذا استطاعت صيدا ان تتقبل الملاهي الليلية كتلك الجزينية فان هذا سيؤدي، على الأرجح، الى خسارة جزين قوتها السياحية. لكن تطوراً كهذا في المجتمع الصيداوي يبدو بعيداً في الوقت الراهن، بل ان الواقع يشير إلى أننا نحث الخطى أكثر فأكثر نحو المحافظة."

لا توافق رشا حليحل على معظم ما قاله البوبو وترى "ان جزين هي المتنفس الأول وشبه الأخير لكل مناطق الجنوب. ورغم كل ما تعانيه جزين فقد بقيت المحج الأساسي لأهل المنطقة المجاورة. فانا اقصد جزين مرتين في الشهر تقريباً، احيانا ليلاً بهدف السهر، وفي أحيان أخرى في النهار، أرتاد مطاعمها ومقاهيها."

فصيدا، بحسب حليحل، باكتظاظها المفرط أصبحت متعبة لسكانها وهذا ما يدفعهم الى تجنب ضجيجها والهرب نحو جزين. فتفوق جزين على باقي المناطق، وفق حليحل يرجع إلى هدوئها ونقاء جوّها، بالاضافة الى موقعها الجغرافي المفيد لمواجهة حر الصيف."

أما حسن فرحات الذي يعيش في النبطية فيرى أن "الحياة الليلية في المدينة غير موجودة بالمرة. ذلك يرجع إلى سمتها التجارية. وبالتالي تفتقر الى المطاعم والملاهي الليلية، رغم أن الآونة الاخيرة شهدت عدداً محدوداً من المقاهي. فالنبطية التي تنام باكراً أجبرت أبناءها على التوجه إلى جزين وصيدا للترفيه والسهر."

ويلفت فرحات إلى ان "افتتاح الموقع السياحي في مليتا ساهم كثيراً في زيادة نسبة الذين يزورون جزين من المنطقة اذ أنها تقع في منتصف الطريق بين النبطية وجزين". لذا من الطبيعي أن تكون جزين بطبيعتها المميزة ملجأ سياحياً لنا. الا ان ظروف الاحتلال التي مرّ بها الجنوب سابقاً حالت دون ذلك. على أن تصحيح هذا المسار بدأ منذ العام 2005 تقريباً.

September 2017
Sun Mon Tue Wed Thu Fri Sat
         12
3456789
10111213141516
17181920212223
24252627282930