الحويّك زعيم في ذاكرة جزين

ادمـون رزق- النهار

الشيخ الجليل، ابن السابعة والثمانين، الذي ودّعته جزين منذ ايام، كان فتى فتيانها وطليعَ فرسانها!
يوسف الحويّك (جوزف) نجل "سليمان افندي" القاضي النزيه الوقور، الآتي من حِلتا – البترون، و"الست ماري رحيّم" المرأة الجزينيّة المثقفة، هو ذاك الأشبهيّ الذي عرفناه في حداثتنا بلقب "الزعيم"، متقدّماً أقرانه، على رأس نادي "النسور" الرياضي الذي أسَّسه في زهوة الاستقلال (1943)، واستوحى اسمه من عنوان قصيدة شهيرة لشاعر العظمة اللبنانية، سعيد عقل، المئوي السنين، الدائم البهاء، فكانت اصوات الشباب تدوّي في الأُمسياتِ النديّة والعشايا المقمرة منشدةً:
"للنسور ولنا الملعَبُ        والجناحان الخصيبان بنور: العُلى والعَرَبُ"
منذ "اول طلعته" حقّق "الزعيم" نهضةً نوعيةً في صفوف الشبيبة، شملت الصغار، اندفاعاً بحماسة النداء ونشوةِ الانتماء، فجمع منهم فريقاً للكرة الطائرة كان هو أبرز لاعبيه، مع شقيقه الأصغر جان الذي سبقه في الرحيل قبل عامين، والجزّيني الفذّ جورج عزيز، المغترب المعروف في المكسيك، الدائم الحنين الى مسقطه، والاهتمام بانشاء المزيد من المدارس والمكتبات والملاعب وحدائق الاطفال، وشقيقه رنيه عزيز وابن خالتهما يوسف سعيد وهبه، الى نخبةٍ مميزةٍ من فتيان ذلك الزمان الهنيء الذين كنّا نتطلّعهم باعجاب ودهشة، وما برحَت مَوَدّتُهم في قلوبنا، واسماؤهم محفورة في صخورنا الدهرية.
قبل "الحويك"، كان الأولاد يمارسون العاباً بدائية في أحواش طبيعية، أو يرافقون آباءهم الى المقاهي، حيث يتفرّجون على لعب الورق وطاولة الزهر، فيكبرون قبل أوانهم... في حين كان الشباب والصبايا يتمشّون، منفصلين، على دروب "المعبور" في الحيّ الغربي (القاطع) و"عزّيبه" في الحي الشرقي (الضيعة)، وبينهما النهر ينسابُ من النبع هداراً ليصبَّ في البحيرة متدفّقاً من شاهقِ صخرةِ الشلال.
لم ينحصر نشاط نادي النسور في النطاق المحلّي، ولم يقتصر على "الڤولي بول"، بل انفتح غرباً وجنوباً، على تجمعات مماثلة في صيدا، توأم جزّين، والنبطيّة، الجارة المكمّلة لجبل الريحان، فجرى تبادل زيارات وتنظيم مباريات حبيّة في الكرة والسباحة والركض، ولقاءات ثقافية وطنية، كان لها أطيب الأثر في مجتمع مرتاح الى بداية عهد الاستقلال، توّاقٍ الى وحدة العيش.
في كل ذلك، كان لجوزف الحويّك دورٌ أساسي، فاصبح عنواناً كبيراً لساحاتِ جزين، وقبلة أنظار الراغبين في التجدّد. وعندما نجح في امتحانات البكالوريا ونال شهادة الفلسفة، عزم على دخول المدرسة الحربيّة، تؤهله لذلك بُنيته الرياضيّة، فهو عامر الصدر، عريض المنكبين، مفتول الساعدين، عالي الجبين، مثقّف، متضلّع من العربية، ذو صوتٍ جهوريّ ونبرة خطابيّة...
لكن "الواسطة" خذلت جوزف الحويّك، فكانت صدمة العمر، واجهَها بمزيد من العنفوان، وارادة النجاح، فعمد الى انشاء فرع لمنظمة الكتائب اللبنانية (1945) قَسَمَهُ ثلاث "فِرَق" تبعاً لأعمار الأعضاء: الرجال الكبار، الشباب الطالع، والأحداث (كنتُ أحدهم)، ثم أقام عرضاً نظامياً ضمّ المئات، بينهم كهول يعتمرون الطرابيش والكوفيات ويرتدون الشراويل والطماقات، وشباب في الريعان، بالبنطلون الطويل، وصغار بالقصير (الشورت). اخـترقـت المسيرة الشارع الرئيسي، الوحيد المعبّد يومذاك، بخطى منضبطة، على وقع طبول "نوبة" جزّين الشهيرة بعزفها وأناقة زيّها؛ فماجت البلدة للحدَث الاستثنائي، وبدأت حسابات السياسة للتغيير الساطع!
بعد ذلك، توقعنا أن يعود "الحويّك" الى كلية الحقوق، على خطى والده، لكنّه ارتضى تعيينه مساعداً قضائياً في محكمة جزين، الوظيفة التي شغلها حتى تقاعد رئيساً لقلمها... في حين ما زلنا، نحن من عرفه واحترمه وأحبّه، لا نصدّق أن "الزعيم" لم يصبح ضابطاً، فقائداً للجيش... ورئيساً للجمهورية!
مرّت هذه الصُور مثل شريط أمام عيني، بعد ظهر الأحد الماضي (31 تموز)، وانا الى جانب نعشه، مع صديقي ورفيقي الاستاذ الرئيس مارون فيليب عزيز، في كنيسة مار مارون، نؤاسي عائلته المتألمة لفراقه، مشاركين في صلاة الوداع الترابيّ والانتقال النورانيّ لذاك الذي ملأ حداثتنا، نسيب بطريرك "دولة لبنان الكبير" السعيد الذكر الياس الحويّك.
فيا أيّها الزعيم المحبوب، لن انسى مآثرك، وفضل ريادتك على جزين، وأَنك ساعدتنا، انا واخوتي الأربعة، ذاتَ صيف، في مراجعة الدروس وانجاز فروض العطلة، وانّك شجّعتني في بداياتي، وعلّمتني امتطاء "البيسيكلات" في بورة مار يوسف، بين بيتنا والكنيسة، التي كانت ملعباً للنسور، وانك ظللت وفياً لمبادئك القويمة الموروثة، عن أب كريم وأم صالحة، أميناً على وزناتك، شريفاً أنوفاً، مؤمناً باللّه والوطن، وقد أفنيت عمرك في جزّين التي تفتقدك وتحفظ مِثالك في عمق أعماقها.

September 2017
Sun Mon Tue Wed Thu Fri Sat
         12
3456789
10111213141516
17181920212223
24252627282930